لا يخفى على أي أكاديمي التهميش الواضح الذي تتعرض لها التخصصات الإنسانية في الجامعات مقارنة بالتخصصات الطبيعية والهندسية والصحية. والعنصرية تجاه التخصصات الإنسانية جاءت بسبب الهوس بالتصنيف الجامعي العالمي، والتركيز المفرط على سوق العمل. وبكامل الصراحة والوضوح تضع كثيرا من الجامعات وجهات التوظيف التخصصات الإنسانية في مرتبة أدنى من التخصصات الطبيعية والصحية والهندسية.

      السؤال الرئيسي الذي نطرحه في هذا السياق هو: هل الذي يدرس كل هذه التخصصات الهندسية والصحية إنسان؟ أو كائن آخر؟ وهذا الإنسان له تاريخ واهتمامات نفسية واجتماعية، له لغة ودين ومعتقدات هي التي تصنع هويته وتحركه نحو العمل والحياة.

        لماذا أصبحت التخصصات الإنسانية _تحديدا التخصصات الناطقة بلغتنا العربية_ مضطرة لتبرير نفسها وتبرير وجودها في الجامعات. ونحن نعلم أننا بفقدان العلوم الإنسانية نفقد شيئا فشيئا هويتنا، لغتنا، ومعتقدنا وثقافتنا؛ نفقد إنسانيتنا.

التعليم مؤسسة بشرية

       التعليم بكامله نظام إنسانيّ وليس نظام آلي. التعليم يؤديه الإنسان ويتلقاه الإنسان. وليس من المنطقيّ أن نهمّش العلوم التي تتعلق بثقافة الإنسان وآلية فهمه للعلم وتلقيه، ونركز على جانب العلوم التي تخدمه اقتصاديا فقط في سوق العمل.

      الذي يدرس التخصصات الطبيعية (إنسان) لا يتواصل مع الآخر بعلمه أو بفكره إلا بواسطة اللغة، ولا يحركه نحو أعمال الحياة إلا معتقداته، ولا يمكنك توجيهه نحو ما تطمح له السياسات إلا بفهم تاريخه ولغته ومعتقداته ونشأته وتطوره. ومعلمو الهندسة والطب والعلوم لا يستطيعون نقل معلوماتهم للطلاب وللمتدربين دون أن يتعلموا تقنيات التعليم وفلسفة مناهج التعليم التي تنتقل بها هذه المعلومات من الأستاذ إلى طالبه. وبرامج التعليم الجامعي لا تبنى بدون الخطوط العريضة التي تضعها سياسات التعليم ومناهج التعامل مع الإنسان والوصول إليه.

الدعوة الى التوازن

         سوق العمل يحتاج التخصصات الإنسانية مثلما يحتاج التخصصات الهندسية والصحية، سوق العمل يحتاج إلى أشخاص ماهرين في الحوار والتواصل مع الآخرين. فنانين في الإقناع وفهم ثقافة الآخر وأولوياته ومعتقداته. متخصصين في إبداع الرؤى والأهداف وكتابتها. قادرين على إظهار المؤسسات بأفضل صورة مؤثرة لدى الناس.

إن التوجه نحو نظام تعليم العلوم والتكنلوجيا والهندسة والرياضيات هو تعليم قوي جدا. لكنه تعليم قاصر وناقص. لأن زيادة التخصصات الطبيعية في مقابل ضمور التخصصات الإنسانية أمر غير صحي لأي مجتمع؛ ليس من الصحي سيطرة التخصصات الصحية والهندسية على سوق العمل بالكامل؛ لأن ذلك يخلق مجتمعا غير متوازن. ويجب ألا نرفع قيمة علم ما على حساب علم آخر. فالتخصصات الإنسانية بقدر أهمية التخصصات العملية والهندسية حتى وإن كان سوق العمل اليوم يحتاج التخصصات الطبيعية بقدر أكبر من التخصصات الإنسانية؛ لأننا في العلوم والهندسة نتعلم كيف نبني الأشياء، وفي الدراسات الإنسانية نتعلم ماذا نبني؟ ولماذا نبنيه؟ العلوم الانسانية هي التي تعطي الطب والهندسة والتكنلوجيا القيمة والمعنى، وهما متساويان في الأهمية والصعوبة، وكلاهما متساويان في القيمة للإنسان (المعنى والنفع).

          إن التخصصات الإنسانية هي التي تعلمنا كيف نفكر. هي التي تعلمنا كيف نتعلم. كيف نتواصل كيف نقنع الآخر كيف نتقن استخدام اللغة التي تتحول بها أفكارنا إلى أفعال ومشاريع.  وقصور المعرفة الإنسانية نراه حين يفشل التقني في ايصال فكرته للعميل. أو حين يفشل العميل في توضيح احتياجاته للتقني نرى ذلك كل يوم حين نفشل في قدرتنا على التواصل والابتكار.

          في ختام الأمر، كل العلوم تبدأ من الإنسان وتنتهي إليه، والحياة البشرية بطبيعتها متنوعة ومختلفة، والاختراعات والابتكارات جاءت بتخيل الإنسان للبدائل الأفضل، فيجب أن نعترف بأن التخصصات في كافة العلوم بذات القدر من الأهمية. وسوق العمل يحتاج إلى التنوع؛ يحتاج إلى الأطباء والمعلمين، القادة وإلى التابعين، الفنانين والتقنيين، الكتاب والمهندسين. لذا، فالعلوم الإنسانية ليست فقط مهمة، بل ضرورية للحفاظ على توازن مجتمعنا وثقافتنا وهويتنا. وبناء الأوطان يحتاج إلى العلوم الإنسانية مثلما يحتاج إلى التخصصات الطبيعية والهندسية والصحية.

أضف تعليق

متداول