مقاربة إدراكية
ترتبط بعض المشاكل اللغوية والثقافية بإدراكنا للألوان وتصنيفها وتسميتها. فالكون بما فيه من الطبيعة والإنسان واللغات والثقافات المختلفة، موضوع شامل لا يمكن أن تدرسه علوم اللغة وحدها؛ ولا تقتصر دراسته على العلوم الطبيعية وحدها؛ فلا بد من تضافر العلوم الإنسانية والعلوم الطبيعية مع بعضها لفهم مظاهر استخدام اللغة وتفسيرها. يمثل هذا المقال وجهة نظر تستند للغة التي يعبر بها عن الألوان في اللغة العربية. وبناء على ذلك يدرس الآفاق الإدراكية لألفاظ الألوان في اللغة العربية من حيث البيانات الدلالية لاستخدام ألفاظ الألوان؛ فيما يتعلق في البنية الدلالية للألوان، وتصنيفها، وتسميتها.

دلالة مفردات الألوان في الفكر العربي:
اللَّوْنُ في لسان العرب: “(هيئةٌ) نحو السَّوَاد والحُمْرة. ولَوْنُ كلِّ شيء: ما فَصَلَ بينه وبين غيره”. وهنا يظهر لنا في تعريف اللون العلاقة المباشرة بين اللون و بين العتمة والنور؛ فالحدود التي ترسم الحد الفاصل بين الأشياء، وتُشكل هيئتها الظاهرة هي اللون. واللون لا يمكن إدراكه في العتمة. ولا يتجلّى إلا في حضور النور.
تفسر الدلالة الإدراكية بالاستفادة من معطيات علم النفس الإدراكي آلية الذهن في فهم دلالة الألوان، حيث إن الذاكرة البصرية عند الإنسان تمثل المعلومات البصرية عن طريق نمذجة مكوناتها وخصائصها الخارجية. وتمدنا اللغة بالمعطيات التي يمكن أن تقود إلى مبادئ عامة لفهم دلالة كل لون. وهذه المبادئ تستلزم أنسقة كاملة من التصورات وليست كلمات مستقلة أو تصورات فردية. وهذه المبادئ في الغالب ذات طبيعة استعارية، تقتضي فهم دلالة السواد مثلا من خلال التجربة البشرية مع الظلام، أو غياب النور. ونحن ندرك البياض بصورة طبيعية استعارية من خلال الضوء. وتصوراتنا الطبيعية تنسحب بشكل طبيعي على تعبيراتنا اللغوية. فالأخضر خير ورخاء، والأسود ظلام وشؤم، والأبيض نور ونقاء.
وتعود إشكالية إدراك الألوان إلى الثقافة المحلية، ففي دراسة أجراها كل من Brent Berlin و Paul Kay حول إدراك الألوان. حينما قارنوا أسماء الألوان المتداولة في ثقافات مختلفة (أوروبية، وآسيوية، وإفريقية، وأمريكية) ذهبا إلى القول بوجود مجموعة من الأسماء تبعا لطبيعة اللغات وحياة الشعوب. فإذا كانت بعض هذه اللغات والشعوب لديها لائحة غنية أو فقيرة من الألوان، فإنها قد تتميز بهيمنة واضحة للون الأبيض في مقابل فقر دلالي في اللون الأخضر أو العكس على سبيل المثال.، وأن هذه الحساسية تجاه الألوان تتصل بأنماط حياة الشعوب. فيحتفظ سكان القطب الشمالي في قاموسهم اللغوي بمجموعة كبيرة من أسماء اللون الأبيض؛ لأنهم يعيشون في بيئة ثلجية وجليدية على مدار العام. في حين أن هنود الأمازون الذين يعيشون وسط الغابات لديهم سلسلة من الأسماء المتنوعة التي تتعلق خاصة باللونين الأخضر والبني.وفي اللغة الاثيوبية، ترتبط دلالة الألوان بالموجودات في الطبيعة؛ فاللون الأبيض يوصف بالحليب، والرماد، والرغوة، والجليد، والقطن. ويوصف الأسود بالظلام، والفحم، والجن. ويرتبط اللون الأحمر دائما بالدم، والنار، والعنبر، والفلفل، والغسق. ويوصف اللون الأخضر بكلمات مشتقة من أوراق الشجر والكرنب والعشب. والأصفر بألوان الزهور ، وصفار البيض، والموز والعسل.
فالمتكلم باعتباره كيانا مدركا له تجربة بصرية للألوان التي تظهر في محيطه الذي يعيش فيه. ومفهوم التجربة البصرية هنا لا يحيل بشكل خاص على التجربة الفردية التي تحدث لشخص بعينه؛ وإنما التجربة التي نتوافق عليها بصفتنا كائنات بشرية تعيش على سطح الأرض وتتفاعل في المجتمع من حولها. والتجربة هنا عنصر فعال متغير يتأثر بتغيرات البشر وتفاعلهم في محيطهم الطبيعي، والاجتماعي، والثقافي. وبذلك يكون للعقل البشري دور أساسي في تحديد التصورات الدالة للألوان، وخلق تصورات دالة جديدة أيضا.
ولبناء تصور صحيح عن دلالة الألوان في اللغة العربية؛ لابد من مقاربة متعددة الأبعاد تأخذ في الاعتبار المؤشرات اللغوية، وغير اللغوية؛ لأن الفكر البشري ليس محايدا، وإنما متأثر بشكل مباشر بالتجربة البشرية التي من أهم عناصرها امتلاك الإنسان جسدا منتصبا له رأس وعينان تتأثر بالضوء واللون. إضافة إلى أن المعنى يرتبط بإسقاط خيالي يستخدم المقولة (التصنيف) والاستعارة.
وقد يكون أفضل اقتباس يمثل استخدام الألوان في اللغة العربية؛ قول صفيّ الدين الحلّي، بعد أن أخذ بثأره
| واستشهد البيض هل خاب الرّجا فينا | سل الرّماح العوالي عن معالينا |
| خضر مرابعنا حمر مواضينا | بيض صنائعنا سود وقائعنا |
و (البيض) في البيت الأول يقصد بها (السيوف)، والعرب قديما تسمي السيف (الأبيض)، ويعرّف حديثا (السلاح الأبيض) بأنه “كل أداة قاطعة أو ثاقبة أو مهشمة أو راضة، كالسيوف والخناجر والمدى والنبال والحراب والعصي ذات الحربة والقبضات وما في حكمها”؛ أما البيض في البيت الثاني فهي كناية عن صنائع المعروف، وسود الوقائع كناية عن الحروب، وخضر مرابعنا عن الخير والرخاء، وحمر مواضينا عن كثر القتل. وهنا يرتبط (المجال/الهدف the target) وهو الأحداث عند الشاعر من (الصنائع، والحروب، والخير، الشجاعة) بهذا الترتيب والآخر: (المجال/ المصدر the source) وهو الألوان (الأبيض والأسود والأخضر والأحمر). حيث استخدم مفهوم (اللون) في بناء مفهوم (الحدث) من خلال تصويره بمفاهيم وعلاقات مستمدة من مجال اللون.
ومن ذلك تلازم اللون الأسود لفظيا في سياقات تدل على الاستياء من الأفعال، أو الأحداث، أو الأشخاص. مثلا حين الدعاء على شخص فعل فعلا مشينا؛ يقال: “سود الله وجهك “، ومن جهة أخرى إذا فعل فعلا حسنا، يُقال: ” بيّض الله وجهك “. واليوم الذي يحمل حدثا سيئا يقال عنه “تاريخ أسود، وأيام سوداء، وصفحة سوداء”، و” احفظ قرشك الأبيض لليوم الأسود.” فالقرش الأبيض كناية عن الرخاء، والأسود يوم الفقرة والحاجة. وللشخص ذو الأفعال السيئة “ملفه أسود”، وذو النوايا الخبيثة ” قلبه أسود “. والسوق التي يتاجر فيها بالسلع غير القانونية تسمى “سوق سوداء”. وللفعل السيء الصغير الوحيد من بين أفعال حميدة كثيرة؛ يُقال:”نقطة سوداء في ثوب أبيض”،و”نظارة سوداء” كناية عن التشاؤم.
وحين نتأمل السياقات التي يذكر فيها دعاء: “بيض الله وجهك” ، نرى أن هذه المقولة لا تقتصر للدعاء للون بشرة معينة؛ إنها لا تتعلق مطلقا بلون البشرة؛ وإنما بمشاعر الفخر والمعرفة بفعل الخير بين الناس. فسواد الناس من بعيد لا يكون فيه الشخص معروفا؛ لأن الشخص لا يمكن التعرف عليه ولا رؤيته مع كثرة الناس، أو من بُعد المسافة يصعب معرف هوية الشخص أو رؤية ملامحه. ولذلك ندعو لكل ألوان البشرة بقولنا :”بيّض الله وجهك”.. أي “جعلك الله معروفا بين الناس بأفعال الخير”.
” بيض الوجوه بنى عم وإخواني”، و ” بيض الوجوه على العدو ثقال”. و”يعرف أهل الجنة بسيماهم بيض الوجوه، وأهل النار بسيماهم سود الوجوه.” ولكن ذلك لا يعني أن العرب تصف الوجه بالبياض علامة على الحسن فقط؛ وإنما استخدمتها في سياق الفخر بالجمال إضافة إلى نقاء السمعة. “. و ” بيض الوجوه أي لم تسود وجوهم من العار”. “ليست تريد بهذا بياض الجلد، إنّما تريد به كرم الجوهر ونقاءه.”. وبالتالي يتصل البياض بمفهوم (الشخص المعروف نقي السمعة). من ذلك قول حسان بن ثابت في آل جفنة:
| شم الأنوف من الطراز الأول | بيض الوجوه كريمة أحسابهم |
| لا يسألون عن السواد المقبل | يغشون حتى ما تهر كلابهم |
المبدأ الدلالي لتصنيف الألوان في اللغة العربية:
استفادت اللسانيات الإدراكية من نتائج Rosch في اطروحتها التي تسعى لاستنباط نماذج شكلية لذاكرة الإنسان عن المفاهيم وعملياتها. وانتهت إلى أن تعريف الأشياء بطريقة صارمة يتعارض مع الوضع النفسي الحقيقي. إذ ليس للأصناف التي تُدرك عن طريق الحواس حدود صارمة وواضحة المعالم. وبدلا من وجود ما يفصل بين مجالات المفاهيم، يوجد مجالات هامشية بين الأصناف. حيث يلجأ الدماغ إلى تصنيف الأشياء والمفاهيم في فئات لتوفير أقصى قدر من المعلومات بأقل جهد معرفي. لذلك نرى قدرا كبيرا من التباين في طريقة وصف الألوان من قِبل العرب. فاللغة العربية لا تعكس ما يحدث في شبكية العين بشكل حرفي؛ وإنما تتفاعل الثقافة مع الجانب البيولوجي في إدراك الألوان وبالتالي تسميتها. ولذلك نرى اختلاط تسمية الأخضر بالأسود، واختلاط تسمية الأحمر بالأسود، والأزرق بالأخضر، والأصفر بالأسود.
إن كثيرا من الألوان بتدرجاتها المختلفة لا تحيل على أشياء أو أشكال بعينها في العالم، وإنما على فئات لونية مصنّفة. مثلا اللون الأسود في فئة الألوان يحيل إلى الظلام والليل والمجهول، والذي يعكس بشكل مباشر رؤية العربي نحو بيئته. ويمثل اللون الأسود مجموعة من الألوان تصنف ضمن الألوان الغامقة في الاستخدام العربي.
ويمر إدراك الألوان بمجموعة من المراحل. حسب المحفزات اليومية التي يتلقاها العربي في بيئته. ولأن المحفزات اليومية تتجاوز قدرة الإنسان لكثافتها؛ فهو يختار البيانات الأهم في إدراكها وبناء على هذه الأهمية يحدث اختيارها ومن ثم إدراكها. ويكون اختيار الألوان المتصلة بأكثر الأمور إثارة للانتباه في التجربة العربية. وهي الألوان التي تظهر في السماء في النهار أو الليل. أو التي تظهر على سطح الأرض من الرمال أو الأشجار أو فيما يظهر من ألوان الحيوانات التي تنشأ في الصحراء العربية. ومن هنا تأتي المرحلة الثانية من مراحل الإدراك وهي الاختيار. وبعد اختيار الألوان الأكثر بروزا في الطبيعة العربية تصنّف هذه الألوان وما يشبهها أو يقاربها في فئات. يدل بعضها على بعض ويكون إدراك كل لون مرتبط بالظاهرة الطبيعية الأولى التي تشبهه أو التي استعار العربي منها تسمية اللون. وبذلك نستطيع تفسير دلالات الألوان بناء على المحفزات الموجودة في البيئة العربية التي شكلت التجربة العربية المشتركة في إدراك اللون وتسميته وتصنيفه. فالإدراك معالجة موحَّدة لا يحدث بصورة عفوية. وإنما يمر بمراحل تسمح بالإدراك الصحيح للمحفزات. ثم تختار منها ما يجب إدراكه.
وتقوم نظرية الأنموذج عند Rosch على مدى التشابه الأسري ولو في سمة واحدة بين المعنى المركزي للفئة؛ ومفهوم الأنموذج أو المثال الأفضل للألوان القاتمة أو أفضل مرجع مركزي للألوان القاتمة هو اللون (الأسود). وتقتضي فكرة الأنموذج أن فئات الألوان القاتمة ليست مؤلفة من مكونات دلالية متساوية البعد بالنسبة إلى اللون الأسود الذي يجمعها؛ بل إن اللون الأسود يتضمن مكونات دلالية قاتمة أو داكنة تشكل أفضل الأمثلة للدلالة على هذه الألوان من غيرها. وفي مقابل ذلك الألوان الفاتحة أو الزاهية التي يمثل المرجع المركزي لها ونموذجها الأفضل لون (الأبيض).
ومن المفارقات أننا دائما ندّعي أننا ننبذ العنصرية ضد أي فئة في المجتمع وتحديدا ضد أصحاب البشرة السوداء. ولكن لغتنا تفضح دواخلنا التي نخفيها عن الآخرين؛ وتظهر في تعبيرنا حين نقول ” قلبه أسود” كناية عن سوء السريرة. أو نقول: ” قلبه أبيض” كناية عن النقاء وسلامة النية. وكل صفات السوء نلونها باللون الأسود؛ “ملفه أسود، تاريخه أسود، في القائمة السوداء….إلخ”. وحين ندعو بالخير لأحد نقول: “بيّض الله وجهك”، وحين ندعو عليه بالشر نقول: “سوّد الله وجهك”. ودائما ما تكشف لغتنا غير المقصودة ما نحاول أن نخفيه بلغتنا المقصودة. وفي رأيي إن التعبير عن كره اللون الأسود أو الخوف منه ربما كان مؤشرا على الطفولة الفكرية. أو بمعنى آخر إنّ النضوج الفكري يجعل إدراكنا للألوان أكثر تنوعا وقبولا. دون رهبة من الألوان القاتمة، ولا رغبة كبيرة في الألوان الزاهية. لأن اتساع الإدراك لما نشعر به من دلالات حسية لهذه الألوان يجعلها أكثر قبولا، ويجعلنا أكثر فهما لدلالتها وما تحيل عليه من معان مختلفة. بعيدا عن الإدراك القاصر على السواد والبياض مقابل الخير والشر.
إن ما تدركه العين من الألوان هو علامات دالة مرتبطة بالتجربة الحسية للإنسان. ودلالة كل لون يستحضر التجربة الثقافية الخاصة بكل لغة. فاللون لا يدل من لفظه على معنى محدد ومستقل وإنما مرتبط بكامل التجربة البشرية. وإدارة الملفات المختزنة في أذهاننا والمرتبطة بالأفاق الإدراكية لكل لون تمكننا من المساهمة في تحسين الثقافة السائدة نحو الألوان المختلفة. وتوجيه الإدراك نحو التنوع اللوني وتصنيفه دون اتخاذ موقف سلبي أو عنصري من أي لون. والتعامل معها بنضج فكري يصنف الألوان حسب تنوعها دون إصدار أي أحكام طفولية ضد أي لون بناء على مخاوف إدراكية قديمة؛ فمفاهيم الألوان بصورة عامة ترتبط بشكل مباشر بالخبرة البشرية في كل مجتمع.
وتظهر استعارات الألوان عند العربي في تصوراته عن مفهوم اللون، وليس في تسميته للون بحد ذاته. فتسميته للون مرتبطة بطريقة تفكيره فيه. ودلالة أسماء اللونين الأبيض والأسود في اللغة العربية تعكس بشكل مباشر رؤية العربي نحو الليل والنهار، النور والظلام، المجهول والمعلوم، الخوف والأمان، ودلالة اللون الأصفر والأخضر والأزرق تعكس بشكل مباشر ما يراه العربي في رمال الصحراء، ومياه الأودية، وألوان الإبل والشجر وألوان الناس في البشرة والعينين. وتمثل استعارته لهذين اللونين تحديدا أداة أساسية يفكر بها ويمثل بها رؤيته للعالم. فهي متجذرة في الذهن العربي وظهورها في الاستخدام اللغوي وجه من وجوه تحققها.





أضف تعليق