تُعدّ اللسانيات الإدراكية (Cognitive Linguistics) من أبرز الاتجاهات المعاصرة التي أعادت تعريف اللغة من حيث علاقتها بالتفكير، والتجربة، والجسد، والعالم. فهي تدرس اللغة بوصفها نشاطًا إدراكيًا معقّدًا ينبثق من التفاعل بين الإنسان ومحيطه. وقد نشأت هذه المدرسة ضمن حقل العلوم الإدراكية (Cognitive Sciences) الذي ظهر منتصف القرن العشرين، متأثرًا بجهود الفلاسفة وعلماء النفس والذكاء الاصطناعي وعلوم الأعصاب واللسانيات، في محاولة لفهم آليات اشتغال الذهن البشري، وتفسير كيفية بناء المعنى ومعالجته. وترتكز اللسانيات الإدراكية على مجموعة من الفرضيات الأساسية، أهمها:

• أن اللغة ليست قدرة مستقلة، بل جزء من المنظومة الإدراكية العامة للإنسان.
• أن المعنى اللغوي يأتي من التجربة الحسية والجسدية.
• أن النحو ليس بنية شكلية خالصة، بل وسيلة لخلق المفاهيم وتمثيلها.
• استعمال اللغة هو مصدر بناء المعرفة اللغوية.
بهذه الفرضيات، تعارض اللسانيات الإدراكية النماذج الشكلية لدراسة اللغات وتحليلها، وتُعيد تعريف المعنى بوصفه بنية مجسدة، مرتبطة بالسياق والذات والثقافة.
حدود المصطلح: لماذا نقول “إدراكية” لا “معرفية”؟
يمثل المصطلح بوابة المفهوم، وحين نختار تسمية ما، فنحن نؤسس لمسار فكري ومعرفي ينطلق منها. واللسانيات الإدراكية تعيد صياغة علاقة اللغة بالعقل والجسد والعالم. ولهذا فإن المصطلح الأدق ليس هو “المعرفي” الذي يحيل إلى محتوى معرفي، بل “الإدراكي” الذي يحيل إلى سيرورة ذهنية تشارك في خلق المعنى وتأويله. فاللسانيات الإدراكية لا تكتفي بوصف البنى اللغوية ومحتواها المعرفي، بل تنظر إليها بوصفها مرآة للعمليات العقلية والإدراكية التي تتفاعل مع التجربة والواقع والخيال؛ لأن اللغة لاتعكس ما نعرفه عن العالم فقط، بل ما ندركه من العالم المحيط بنا عبر الحواس ونبنيه ونصوّره باستخدام الكلمات.

وكثيرًا ما يُترجم المصطلح الإنجليزي Cognitive Linguistics إلى العربية بـ”اللسانيات المعرفية” أو “العرفانية”، وقد تعددت المقابلات العربية المقترحة لترجمة (cognitive)، بين من استخدم “المعرفي”، أو “العرفاني”، أو “العرفني”، لكني آثرتُ استخدام “الإدراكي” و”الإدراكية” لعدة أسباب لغوية ودلالية ومنهجية:
أولًا، مصطلح “المعرفي” يشي بالتباس مفهومي مع المقابل العربي لمصطلحي (knowledge) و*(epistemology)*، مما يجعله غير دقيق في التعبير عن البنية الإدراكية للغة كما تتناولها المدرسة الإدراكية في اللسانيات.
ثانيًا، مصطلح “العرفاني” يحيل في الذهن العربي إلى السياق الصوفي والديني، بما في ذلك “العرفان” كطريق باطني إلى الحقيقة، وهو معنى مغاير تمامًا للدلالة العلمية المقصودة في “اللسانيات الإدراكية”. أما “العرفني” فاشتقاق على غير قياس.
ثالثًا، جاء اختيار لـ “الإدراكي” منسجمًا مع روح المصطلح العربي ودلالته العلمية، فضلًا عن وجوده في المعاجم التراثية بمعانٍ تتقاطع بوضوح مع المفاهيم الحديثة للسانيات الإدراكية. ففي الفروق اللغوية لأبي هلال العسكري، نقرأ ما يلي:

“الإحساس هو الإدراك بالحاسة”، “ولا يُدرك إلا الموجود، والإدراك طريق من طرق العلم”،”وقال أهل اللغة: كل ما شعرت به فقد أحسسته، ومعناه أدركته بحسك، والآلات التي يُدرك بها: الحواس، كالعين، والأذن، والأنف، والفم”؛ فهذه العبارة تكشف عن وصف دقيق للبنية الإدراكية الإنسانية عبر الحواس، فالتمييز الذي وضعه بين الإحساس والإدراك، وربطه الإدراك بوجود الشيء الخارجي وبكونه «طريقًا من طرق العلم»، يتقاطع جوهريًا مع ما تؤكد عليه المدرسة الإدراكية في اللسانيات. فهذه المدرسة ترى أن اللغة ليست مجرد نسق من العلامات، بل هي جزء من منظومة معرفية أشمل، تتأسس على التفاعل بين المدخلات الحسية (البصرية، السمعية، وغيرها) والعمليات الذهنية التي تبني المعنى.
فالحواس بوصفها “آلات” للإدراك، يوازي ما تصفه اللسانيات الإدراكية اليوم من دور للخبرة الحسية في تشكيل البنى الذهنية والمفاهيمية، وأن الوعي باللغة والمعنى ليس معزولًا عن الجسد والحواس، بل ينبع من خبرة حسية-عقلية متكاملة.
– يٌنظر المصادر التالية:
⎯ أبو هلال العسكري، الفروق اللغوية، تحقيق محمد إبراهيم سليم، دار العلم للثقافة والنشر.
⎯ Evans, V. (2019). Cognitive linguistics: A complete guide. Edinburgh University Press.
⎯ Evans, V., & Green, M. (2006). Cognitive linguistics: An introduction. Edinburgh University Press.
⎯ Goldberg, A. E. (1995). Constructions: A construction grammar approach to argument structure. University of Chicago Press.
⎯ Lakoff, G., & Johnson, M. (1980). Metaphors we live by. University of Chicago Press.
⎯ Lakoff, G., & Johnson, M. (1999). Philosophy in the flesh: The embodied mind and its challenge to Western thought. Basic Books.
⎯ Langacker, R. W. (1987). Foundations of cognitive grammar: Theoretical prerequisites (Vol. 1). Stanford University Press




أضف تعليق